الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

182

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يقول : إن ناسخه هو آية الطلاق إذ يقول سبحانه : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن في حين أن هذه الآية لا ترتبط بالمسألة المطروحة في هذا البحث لأن هذه الآية تبحث في الطلاق ، في حين أن الزواج المؤقت ( أو المتعة ) لا طلاق فيه ، والافتراق بين الطرفين في هذا الزواج يتم بانتهاء المدة المقررة . إن القدر المتيقن في المقام هو أن أصل مشروعية هذا النوع من الزواج في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمر قطعي ومفروغ عنه ، وليس ثمة أي دليل يمكن الاطمئنان إليه ويثبت نسخ هذا الحكم ، ولهذا فلابد من أن نحكم ببقاء هذا الحكم ، بناء على ما هو مقرر وثابت في علم الأصول . والعبارة المشهورة المروية عن " عمر " خير شاهد على هذه الحقيقة ، وهي أن هذا الحكم لم ينسخ في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . . وإلخ . ثم إن من البديهي أنه لا يحق لأحد إلا النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن ينسخ الأحكام ، فهو وحده يحق له - وبأمر من الله سبحانه وإذنه - أن ينسخ بعض الأحكام ، وقد سد باب نسخ الأحكام بعد وفاة النبي تماما ، وإلا لاستطاع كل واحد أن ينسخ شيئا من الأحكام الإلهية حسب اجتهاده ومزاجه ، وحينئذ لا يبقى شئ من الشريعة الخالدة الأبدية ، وهذا مضافا إلى أن الاجتهاد في مقابل النص النبوي لا ينطوي على أية قيمة أبدا . والملفت للنظر أننا نقرأ في صحيح الترمذي الذي هو من صحاح أهل السنة المعروفة ، وكذا عن الدارقطني ( 1 ) أن رجلا من أهل الشام سأل " عبد الله بن عمر " عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال ابن عمر : حسن جميل ، قال : فإن أباك كان ينهى عنها ، فقال : ويلك فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمر به أفبقول أبي آخذ ، أم بأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قم عني ( 2 ) .

--> 1 - تفسير القرطبي ، ج 2 ، ص 762 ، ذيل الآية ( 195 ) البقرة . 2 - المراد من متعة الحج التي حرمها عمر هو لو أننا صرفنا النظر عن حج التمتع ، فإن حج التمتع عبارة عن الأمر التالي : إن يحرم الشخص أولا ، ثم بعد الإتيان بمناسك " العمرة " يخرج من احرامه ( فيحل له كل شئ حتى الجماع ) ثم يحرم من جديد ليؤدي مناسك الحج من تاسع ذي الحجة ، وقد كان الناس في الجاهلية يبطلون هذا العمل ويستغربون ممن يدخل مكة أيام الحج ثم يأتي بالعمرة ويخرج من إحرامه قبل أن يأتي بالحج ، ولكن الإسلام أباح هذا وقد صرح بهذا الأمر في الآية ( 186 ) من سورة البقرة .